معاش اسلاسلي 

أصبح موضوع التنمية حديث الساعة في المجتمع، لم يعد مقتصرا على المهتمين والفاعلين فقط، لأن آثار برنامج التنمية يمتد إلى جميع الفئات والأعمار، وينعكس إيجابا أو سلبا على مستوى العيش، بل تكون الآثار مدمرة على السلم الاجتماعي في كثير من بقاع الأرض، والمتضررون من الوضع الاجتماعي السيئ نتيجة فشل برامج التنمية يحملون الدولة المسؤولية المباشرة ويعتبرونها السبب الرئيسي لما هم فيه.

قد تكون هذا النظرة صحيحة نسبيا لأن الدولة هي المسؤولة عن وضع السياسة العامة للاقتصاد، وهي التي تمتلك الأدوات القانونية والتنظيمية والمالية لتلبية الحاجات الأساسية لمواطنيها، ولها وحدها الحق في التخطيط ووضع الرؤى وتقلبات الوضع الاقتصادي في العالم، ولها من الإمكانات البشرية المؤهلة ما ليس عند المنظمات الأهلية.

لكن هل الدولة وحدها المسؤولة عن فشل السياسة التنموية، أم يشاركها فيها غيرها من الفاعلين خارج دواليبها ؟ هذا السؤال رغم صعوبة الإحاطة بكل جوانبه لكن يمكن الكشف عن بعض الملامح فيه بضرب أمثلة تطبيقية من خلال البحث عن أسباب معوقات التنمية في مجتمعنا ، وهو موضوع هذا المقال، وذلك بهدف تحسيس من يعتقد أن التنمية تجد توازنها في فاعل واحد هو الدولة.

مفهوم التنمية :

قبل البدء في موضوع البحث عن معوقات التنمية يجب تحديد مفهوم التنمية المستدامة من خلال التعريف الذي ورد في تقرير اللجنة الدولية للبيئة والتنمية، المعروف بتقرير بروندتلاند (Brundtland rapport) في الثمانينات من القرن الماضي ومؤداه : أن التنمية المستدامة هي التنمية التي تستجيب لحاجيات الحاضر دون أن تمس بالإمكانيات التي تضمن تلبية حاجيات الأجيال في المستقبل.

ترى هل التنمية المستدامة في مجتمعنا تراعي المعنى المقصود من هذا التعريف البسيط أم لها تعريف آخر لا يعلمه إلا القائمون عليها ؟ لنترك الجواب إلى حين الوقوف عليه في بعض الأمثلة التي تعزز هذا العائق للتنمية أو ذاك.

يجب الإشارة كذلك إلى أن التنمية المستدامة يجب أن ترتكز على ثلاثة أبعاد مرتبطة ارتباطا وثيقا لا يمكن الفصل بينها : البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد البيئي، فهي إذن نسق معقد اتفق الخبراء على المراحل الأساسية التي تكونه أهمها : التخطيط ودراسة الحاجيات، وتدبير الموارد، والتنفيذ، والتحليل والقياس. فالحديث إذن عن معوقات التنمية يمس جميع مراحل النسق.
بعد هذا التعريف الذي لا بد منه، أحاول حصر معوقات التنمية في صنفين أو مجموعتين: المعوقات العامة، والمعوقات الخاصة بنسق برنامج التنمية.

أشرت إلى أن التنمية بأبعادها الثلاثة الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لا يمكن أن تنتج ثمارها إلا في مجتمع بلغ فيه تنظيم الدولة درجة استقرار يضمن استعمال ثروات المجتمع بمفهومها الشامل بطرق علمية وبأمانة لتحقيق الصالح العام.

1 – المعوقات العامة للتنمية :

المقصود بالمعوقات العامة جميع الأسباب التي تحول دون إنجاح برامج التنمية أو الحد من فاعليتها دون أن تتعلق بصفة مباشرة بأي مرحلة من مراحل نسق التنمية، من هذه المعوقات على سبيل المثال لا الحصر :
– انعدام الأمن
– فشل النظام التربوي.
– ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب.
– انعدام الأمن :

يعتبر استقرار المجتمع من الشروط الأساسية لضمان نجاح برامج التنمية، فالمؤسسات الأمنية لها دور كبير في استتاب الأمن في البلاد، منها ما يعمل على تأمين المجتمع من الأخطار الخارجية كمؤسسة الجيش، ومنها ما يسهر على تأمين السلامة للأفراد وممتلكاتهم ويعمل جنبا إلى جنب مع السلطة القضائية لاستقرار المجتمع والحفاظ على الدولة ومؤسساتها، فمبدأ سلامة الدولة لم يعد قاصرا على مؤسساتها بل امتد ليعمل على تحسين ظروف الأفراد الاقتصادية والاجتماعية وتخفيف معاناة الشرائح الاجتماعية التي تعاني من هشاشة البنية التحتية والمرافق الاجتماعية.

فالمنظومة الأمنية إذن اتسع نطاق المهام المكلفة بها لتساهم في إنجاح البرامج التنموية عن طريق ضمان السلم الاجتماعي. والواقع أثبت أن الدول التي فقدت السيطرة على الأمن العام والسكينة العامة تدهورت أحوالها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، فأصابها الوهن ودمرتها الحروب الأهلية، وأصبحت تتكفف المنظمات الإنسانية لتوفير لقمة العيش وتدبير نزوح المهاجرين خوفا على أنفسهم نتيجة فقدان الإحساس بالأمن والسكينة، الشاهد على ذلك ما تعيشه بعض الدول العربية بسبب سوء أوضاعها الأمنية، حيث أصبحت دولا فاشلة يصعب بناء أركانها من جديد. وحتى إذا اعتبرنا أن هذه الدول استثناء لا يمكن القياس عليه، فهناك دول أخرى فقد فيها الأمن نتيجة تدهور الأوضاع الاجتماعية للشعب كتونس ومصر، وكان السبب الرئيسي في فقدان الأمن فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتلك الدول فعجلت بسقوطها الاضطرابات الاجتماعية، وما نتج عن ذلك معروف لمن يريد أن يتعظ قبل فوات الأوان.

والمغرب لا يمكن أن يشكل استثناء ويبقى بعيدا عن التأثير السلبي لفشل منظومة التنمية، فالحراك هنا وهناك سببه الرئيسي هو تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمحتجين، فخروج الناس للشارع رغم أنه سلمي ومطالبه معروفة تتجلى في الإصلاح، إلا أن سوء تأطيره تجعل منظومة الأمن في مواقف جد صعبة تنتهي بمواجهات فيها ضحايا من هذا الجانب أو ذاك، وتعرض السلم الاجتماعي للخطر وتكون النتائج وخيمة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي بانهيار منظومة التنمية وفقدان الثقة في الاستثمار.

– فشل النظام التربوي :

النظام التربوي يهدف إلى تلقين الأجيال المعرفة الضرورية والكفاءات اللازمة التي يحتاجونها لدمجهم في المجتمع وإشراكهم في تدبير شؤونه المرتبطة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. فهو إذن برنامج متكامل لتنمية الفرد وتأهليه للقيام بواجباته المفروضة عليه كمواطن.
وفشل النظام التربوي من معوقات التنمية الكبرى لأن العنصر البشري المؤهل هو ركيزة التنمية، فبدونه لا يمكن تصور نسق تنموي كيفما كان نوعه وكيفما كانت طبيعته، فمراحل نسق التنمية السابقة الذكر يضعها الخبراء بما لديهم من معرفة وما اكتسبوه من خبرة. إن تعثر المنظومة التنموية في بلادنا يرجع بالأساس إلى درجة كفاءة القائمين على المنظومة والساهرين على تنفيذها سواء على صعيد الجماعة أو الإقليم أو الجهة أو حتى البرامج التنموية على الصعيد الوطني. فالجماعات المحلية المسؤولة عن التنمية داخل حدودها الجغرافية تفتقر إلى الضروري من الموارد البشرية لتسيير مرافقها تسييرا إداريا عاديا، فكيف لها أن تضع رؤى، وتحدد حاجات ساكنتها، وتقوم بدراسة برامجها التنموية، وتسهر على تنفيذها وتقييمها؟ هذا عن الإدارة، فما بالك بالنسية للمجالس المنتخبة التي تجد أغلب أعضائها يحتاجون إلى الانضمام لبرامج محو الأمية التي تسهر عليها وزارة الأوقاف. كيف للمغرب أن يتغلب عن الهشاشة بمثل هؤلاء ولو صرف أموال “قارونات” هذا العصر كلها ؟
هذا لا يعني أن الكفاءات في هذا البلد قليلة العدد ومحدودة الخبرة، بل هي تفي بالمطلوب لو أتيحت لها الفرصة، وطبق القانون بمرونة تجعل الخبير وصاحب المعرفة ينتقل لاستعمال خبرته بين القطاعات المحتاجة.

– ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب :

اعتبرت اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة التي انعقدت في أكتوبر 2012 البطالة بين الشباب من أكبر معيقات التنمية، ففي الوقت التي تشكو فيه أغلبية الدول من قلة الكفاءات بين مواردها البشرية لا تلتفت إلى المخزون الذي يمثله الشباب المتعلم للاستفادة منه بالدمج مباشرة في سوق الشغل، أو تشجيعه على المبادرة الخاصة بالوسائل المالية والتأطير ليندمج في نسق التنمية المستدامة.

قد يقال بأن هناك مؤسسات تملأ الفراغ وتقدم مقترحات وحلول لدمج الشباب في المجتمع لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا تعطلت عجلة تلك المؤسسات ولم تستطع تحقيق الأهداف المرجوة منها ؟ وهنا أشير إلى المجلس الوطني للشباب والمستقبل الذي أنشئ سنة 1991 واعتقد الشباب أنه سيجد الحلول الملائمة لدمج الشباب في الحياة الاقتصادية لكن حالة قطاع الشباب زادت سوء لتراكم آلاف العاطلين الجدد، والدليل على ذلك ما صرحت به مذكرة إخبارية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بأن ما يناهز مليون و 685 ألف شاب، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أيّ تكوين، فإن الوضع بلغ خطورة تجبر الحكومة على التدخل الفوري لمعالجة هذه الإشكالية. كما أن خطاب العرش الأخير أشار إلى الوضع المزري للشباب وطالب من الحكومة التسريع بالمصادقة على مشروع القانون رقم 89.15 المتعلق بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي الذي لازال إلى اليوم حبيس الرفوف، وحتى وإن صودق عليه فهو لا يحمل للشباب حلولا عملية تنقذهم من رتابة البطالة والموت البطيء، فلا بد إذن من التفكير في برامج عملية وعاجلة تعطى لها الأولوية لدمج الشباب المتعلم لتحريك عجلة التنمية.

2 – المعوقات الخاصة بنسق برنامج التنمية :

هناك العديد من المعوقات الخاصة بنسق التنمية، فلكل مرحلة من مراحل النسق معوقاته، منها ما يتعلق بكثرة المتدخلين، ومنها ما يتعلق بالنظم والمساطر، ومنها ما يتعلق بالمتدخلين والساهرين على تدبير النسق، سأقتصر هنا على المعوقات المشتركة التي لها تأثير قوي نسبيا على النسق، من هذه المعوقات : الرشوة، وعدم كفاءة الموارد البشرية.
– الرشوة :
يعرف القانون الدولي الرشوة بأنها شطط وظيفة عمومية لأغراض خاصة.
فهي آفة اجتماعية يستغل أصحابها ضعف مصالح المراقبة لتقديم خدمات أو تسهيل مسطرة لأصحاب المصلحة مقابل الحصول على مقابل كان مالا أو منفعة.
أما الآثار السلبية الرشوة على التنمية فهي عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر :
· تحويل جزء من تمويل المشروع إلى الحسابات الخاصة، فيترتب عن ذلك عدم توازن بين مكونات المشروع وتتقلص فاعليته ولا يفي بالغرض المنتظر منه وتتأثر سلبا جودة المشروع.
· الزيادة في تكاليف المشروع حيث تتحمل الدولة تلك التكاليف فيؤثر ذلك على حجم الأموال المرصودة للتنمية المستدامة.
· القضاء على المنافسة الشريفة بين المقاولات المتبارية على المشروع، وفقدان الثقة في الإدارة، فعندما تكون المنافسة مراقبة بالقانون مراقبة صارمة من طرف الهيئات الرقابية التي يسيرها مسؤولون يجمعون بين الكفاءة والثقة، تنخفض كلفة المشروع وتتحسن الجودة، وينعكس ذلك إيجابا على المشروع وعلى المستفيدين منه فيؤدي ذلك إلى تحسين منظومة التنمية.

– عدم كفاءة الموارد البشرية :
لا شك أن تصور برنامج تنمية ولو لجماعة ترابية محدودة جغرافيا وسكانيا عملية معقدة يحتاج إلى معرفة المحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع ككل، وإلى تحديد حاجيات المستفيدين بدقة لضمان نجاح البرنامج التنموي ويؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجوة منه وهي تحسين ظروف عيش الساكنة لضمان الاستقرار والرفع من وثيرة النمو.
لكن هذا ليس بالأمر الهين لأن الواقع بإكراهاته المتعددة يعقد منظومة التنمية ويعرض الموارد للاستنزاف ويوقف عجلة النمو، ويفتح الباب على مصراعيه للارتجال. وأهم عائق التنمية هو تدبيرها من طرف من ليس أهل لها من حيث الثقة والأمانة، فإذا كانت الرشوة تعيق التنمية، فإن قلة الكفاءة تعدمها حيثتضيع الفرص وتستنزف الموارد وينتج التخلف .
لقد بين التقرير الخمسيني عمق الهشاشة التي يعاني منها المجتمع منذ سنوات، لكن السلطات المعنية بالأمر لم تقطع بعد مع الماضي فتركت الحبل على الغارب كما يقال، وأنتجت عبر الانتخابات مجالس من نفس العجينة التي تسببت في الكوارث، وأعطيت لها الأموال، ووضعت تحت تصرفها الموارد، فعاتت في الأرض فسادا دون حسيب ولا رقيب، ما هكذا يا سعد تورد الإبل، أبمثل هؤلاء تستقيم منظومة التنمية ؟ أقول هذا وقد عاينت وعاين الناس بعض نماذج التدبير في الجماعات المحلية كجماعة المريجة بإقليم جرسيف التي قضت نهائيا على الموارد الطبيعية بالمنطقة حتى أجبر الناس على هجرة المكان، ولم تعد للجيل الحالي ولا للأجيال المقبلة موارد طبيعية تربطهم بالأرض. العدالة لا تستوجب السكوت على ما فات ولا ما هو آت، العدالة تقضي أن يدقق في تاريخ تدبير هذه القلعة الخاصة ليصيبها الزلزال كما أصاب غيرها ليخف الضرر الذي ينخرها.

جئت بنموذج التدبير لجماعة المريجة لأنه استثناء في الجهة الشرقية، وان كانت الحالة عامة في الجماعات القروية كلها. لا إصلاح إذن دون ثورة قانونية وتنظيمية على الهيئات المنتخبة وقطع الطريق على من ليست لهم كفاءة التسيير ويقدرون الأمانة ولو اقتضى الأمر الاستغناء على هذه التجربة التي أنتجت التخلف والحرمان، وتسيير الجماعات بالتوظيف من الشباب المتعلم العاطل، سيأتي يوم يكفر فيه الشعب باللامركزية، وقد كفر بها، لم يبق إلا دفنها والبحث عن أسلوب آخر للتدبير يوقف النزيف.

سأختم هذا المقال بتدوينة لأحد المسؤولين أو الناشطين أو السياسيين، من النيجر، تبدو لغته الفرنسية راقية، لخص فيها أعطاب التنمية في بلاده في عشر كلمات فقط، أنقلها كما هي حتى لا تعبث الترجمة بمعناها، قال :
« La chèvre ne mange que là où elle est attachée ».

فعلا هي عشرة كلمات فقط وصف بها الداء الذي ينخر نسق التنمية في بلاده، واعتبره أخطر من قنبلتي هيروشيما وناكازاكي بعشرة آلاف مرة، لأن خطر القنبلتين ظاهر للعيان ومؤقت، لكن هذا الداء الآفة، حسب قوله، استأجر سريرا وسكن في مخيلة الجميع، يسبب الكوارث، يحصد ضحاياه، ولن يرحل إلا بإدراك وجوده أولا واستيعاب حجم خطورته، والعمل على استئصاله.

وبغض النظر هل الجملة من تأليف المدون، أم أنها مثل كاميروني كما يشاع، فإن المعزة نيجيرية كانت أو مغربية أو حتى أروبية، فهي معزة ولو طارت، ليست لها قوانين تفرض عليها أكل ما لها وترك ما لغيرها، كالبشر المنظم في المجتمعات المختلفة، عدا العربية، فإنها حرة تأكل من حيث شاءت، ومتى شاءت، ولو تسلقت الجبال والأشجار وتعرضت للأخطار، وكأنها تفكر بعقلية استعارتها من ‘منتخب” مغربي لا يرصده رادار، ولا يلحقه عار بما آل إليه وصار.

فاس بتاريخ 22 مارس 2018